كان العنوان المقرر لهذه التدوينة: “عقود الإذعان في عالم البرمجيات، والفتاوى المتعلقة بالتعامل مع البرمجيات المملوكة”، ولكنني قررت العدول عن هذا العنوان الطويل إلى الوجه المذكور أعلاه، للتعبير بشكل مباشر عن الفكرة التي أود أن أتحدث عنها، والتي تلح على ذهن الكثير منا اليوم!
مع دخول الحواسيب وتقانات المعلومات بشكل مطّرد إلى البلاد العربية، وتزايد احتكاكهم بمنظومة صناعة البرمجيات الحالية التقليدية، ظهرت العديد من الإشكالات الناتجة عن التعامل والانخراط في تلك المنظومة، المنبثقة من المنظومة الرأسمالية، والمرتكزة على مفهوم “الملكية الفكرية”.
ولعل العنوان الذي يشير إلى سؤال واسع الانتشار، نتج عن الإشكالية التي أوردناها آنفاً، فقواعد التعامل التي رسختها تلك المنظومة -والتي تمنع النسخ المشار إليه إجمالاً- تتعارض مع أبسط دوافع الفطرة البشرية في المشاركة ونشر العلم والمعرفة النافعين، فكان لا بُدَّ لتلك الدوافع الفطرية بالإضافة إلى الرغبة العميقة بالالتزام بالتشريع الإلهي، أن تخلق ذلك النوع من الأسئلة البسيطة والجادة في نفس الوقت في أذهان الكثير من مسلمي اليوم، ولاسيما المنخرطين في العالم المعلوماتي.
والحقيقة أن المتتبع لمحاولات الإجابة عن ذلك النوع من الأسئلة لا يجد إجابات واضحة مبنية على رؤية مكتملة للموضوع. وسواءً أكان هذا بسبب تقصير المسلمين أو كان بسبب حداثة هذه المسألة النازلة وعدم دخولها إلى صلب اهتمامات المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى طبيعة المسألة ومعالمها العامة.
عقود الإذعان
لعل أغلب الإجابات الموجهة إلى السؤال الذي عنونت به هذه التدوينة، كانت تذهب إلى ضرورة الالتزام بـ “العقد” الذي “يشتري” فيه الزبون البرنامج، وبالتالي فإن عليه أن يلتزم بكل ما ورد في العقد من منع مشاركة ونسخ البرنامج مع الآخرين وغير ذلك من الشروط… وكانت تلك الإجابات تستند على أصل عظيم من أصول الإسلام، ألا وهو ضرورة التزام المسلم بمضامين العقود حتى وإن كان ذلك مع الآخر غير المسلم، حتى وإن تضمنت شروطاً مجحفة – ما دام هو قد أقدم على ذلك العقد بملء إرادته ورضاه.
ولكن لنلق نظرة على الطريقة التي يتم فيها هذا “التعاقد”…
يعرض على المستخدم قبيل تنصيبه للبرنامج اتفاقاً يتضمن مجموعة من البنود الموضوعة مسبقا والتي تحدد الطريقة التي يمكن فيها التصرف بالبرنامج. ولا يُسمح بتلاحق مراحل التنصيب ما لم يصرّح المستخدم بموافقته على ذلك الاتفاق/العقد من خلال تفعيل خيار معيّن.
وعلى الأغلب فإن محتوى ذلك الاتفاق لا يتواجد إلا بصيغة رقمية، فلا تتواجد على غلاف العبوة البلاستيكية/الكرتونية المحيطة بالقرص الذي حصل من خلاله المستخدم على البرنامج. ولضمان إلزام المستخدم بالاتفاقية عند الشراء، فإنه غالباً ما يتم اعتبار مجرد فتحه لغلاف العبوة موافقة مسبقة منه على الشروط المتواجدة داخلها (سواءً أكانت موجودة بصيغة ورقية أم رقمية).
إن التمحيص يفضي إلى أن “العقد” الذي تم عند “شراء” البرنامج يختلف عن العقد الذي تعارف عليه الناس من قبل، فهذه العقود لم توضع شروطها من قبل الطرفين المتعاقدين، ولم يشترط فيها العدل ولا الرضا الحقيقي، والذي حدث أنه “أذعن” فيها أحد الطرفين لشروط الطرف الآخر، ولذلك فإن “عقود الإذعان” Contract of Adhesion هو الإطار الذي تندرج تحته أكثر العقود السابقة الذكر، وهو إطار تم وضعه من قبل واضعي القوانين الغربية أنفسهم، للتعامل مع هذا النوع الجديد من العقود النمطية التي انتشرت في العصر الحديث.
وأقتبس هنا ما أورده الدكتور محمد القري في بحث مقدمة إلى الدورة الرابعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي في تعريفه لعقد الإذعان، حيث يقول:
“عقود الإذعان هي صيغة من صيغ إبرام العقود تعتمد على استخدام أنموذج نمطي للعقد يُعِدُّه أحد طرفي العلاقة التعاقدية بصورة منفردة ويعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له إلا الموافقة عليه كما هو أو رفضه دون أن يكون له أن يغير في العبارات الواردة فيه أو الشروط والأحكام التي يتضمنها ولا أن يدخل في مجاذبة أو مساومة حقيقية على شروطه مع الطرف المعد لهذا العقد“. (حصلنا على المقتبس من نسخة غير رسمية على شبكة الإنترنت، ولكنها مفيدة على أية حال في تقديم فكرة مجملة عن الموضوع)
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بسرعة: هل هذه العقود مكافئة للعقود المعهودة من حيث إلزاميتها لكل من الطرفين المتعاقدين؟ حاولت أن أبحث عن إجابة، وإذ بي أجد أن مجمع الفقه الإسلامي قد أصدر قراراً (هو القرار رقم 132 (6/14) ) والذي يشير فيه إلى عدة نقاط.
أولها أن عقود الإذعان هذه، وهي عقود غالباً ما تكون موجّهة لجمهور واسع من الناس، لا بد من خضوعها لرقابة الدولة من أجل ضمان عدلها، حيث ورد في التقرير أنه:
“نظراً لاحتمال تحكّم الطرف المسيطر في الأسعار والشروط التي يُمليها في عقود الإذعان، وتعسُّفه الذي يُفضي إلى الإضرار بعموم الناس، فإنه يجب شرعاً خضوع جميع عقود الإذعان لرقابة الدولة ابتداءً (أي قبل طرحها للتعامل بها مع الناس) من أجل إقرار ما هو عادل منها، وتعديل أو إلغاء ما فيه ظلم بالطرف المذعن وفقاً لما تقضي به العدالةُ شرعاً.”
وثاني تلك النقاط أن مسألة الالتزام بتلك العقود لم تعد مشابهة للالتزام بالعقود التقليدية، وإنما أصبحت مرتبطة بمضمون عقد الإذعان من ناحية إقرار الشرع له.
“تنقسم عقود الإذعان -في النظر الفقهي- إلى قسمين:
- أحدهما: ما كان الثمنُ فيه عادلاً، ولم تتضمن شروطه ظلماً بالطرف المذعن، فهو صحيح شرعاً، ملزم لطرفيه، وليس للدولة أو للقضاء حقُ التدخل في شأنه بأي إلغاء أو تعديل، لانتفاء الموجب الشرعي لذلك، إذ الطرف المسيطر للسلعة أو المنفعة باذل لها، غير ممتنع عن بيعها لطالبها بالثمن الواجب عليه شرعاً، وهو عوضُ المثل (أو مع غبن يسير، باعتباره معفواً عنه شرعاً، لعسر التحرّز عنه في عقود المعاوضات المالية، وتعارف الناس على التسامح فيه) ولأن مبايعة المضطر ببدل عادل صحيحةُ باتفاق أهل العلم.
- والثاني: ما انطـوى على ظلم بالطرف المذعن، لأن الثمن فيه غير عادل (أي فيه غبن فاحش) أو تضمن شروطاً تعسفية ضارةً به. فهذا يجب تدخل الدولة في شأنه ابتداءً (قبل طرحه للتعامل به) وذلك بالتسعير الجبري العادل، الذي يدفع الظلم والضرر عن الناس المضطرين إلى تلك السلعة أو المنفعة، بتخفيض السعر المتغالى فيه إلى ثمن المثل، أو بإلغاء أو تعديل الشروط الجائرة بما يحقق العدل بين طرفيه”
ما المغزى من كل هذا الكلام؟
المغزى أن مسألة الالتزام بمضمون هذه العقود ترتبط أساساً بمضمون العقد من حيث كونه متعسفاً أو لا، وبالتالي فإن الاهتمام الفقهي ينبغي أن ينصرف إلى الناحية الأخيرة.
فالشيء الذي يجب أن نعرفه بالضبط هو الضوابط والحدود التي تفصل ما بين الظلم والعدل من جهة، وما بين العدل والإحسان من جهة أخرى: لأن معرفة تلك الضوابط هي الأساس في معرفة حدود الإلزام لعقود الإذعان السالفة الذكر، التي تتضمن الموافقة على ما يشار إليه باتفاقيات ترخيص المستخدم النهائي End-User License Agreements.
وهذا يعني الإجابة على العديد من الأسئلة من مثل:
- هل من التعسف أن يمنع المبرمج الشيفرة المصدرية Source Code لبرنامجه عن الناس؟
- هل من التعسف أن يمنع المبرمج الآخرين من نسخ برنامجه (بشيفرته الهدفية النهائية Object Code)؟ وهل يختلف الأمر إن كانت تلك العملية للاستخدام الذاتي، أو للاستخدام الشخصي، أو للاستخدام التجاري؟
وبصيغة أخرى يمكننا أن نسأل أيضاً:
- هل فتح الشيفرة المصدرية للبرنامج يقع ضمن مجال الإحسان، أم أنه أمر واجب على المبرمج؟
- هل السماح بنسخ الشيفرة الهدفية هو من إحسان المبرمج، أم أنه أمر لا خيار له فيه؟
إن الإجابة عن تلك الأسئلة يجب أن تكون مبنية على رؤية كاملة، الأمر الذي يقود تفكيرنا إلى قضية جوهرية وأساسية ترتبط بموضوعنا، ألا وهي مسألة ما يُسمّى بالملكية الفكرية.
لقد كان العلم شيئاً مقدّساً طوال القرون الطويلة التي مرت على تاريخ المسلمين، وكان مفهوم “الملكية” غير متسقاً على الإطلاق مع تلك الهالة التي كانت تشع حول العلم، في حس العلماء والمتعلمين على السواء! وتشير المصادر إلى أن العلماء كانوا ينفقون على أنفسهم من مداخيلهم الخاصة، ومن ثمَّ صار ينفق عليهم من بيت المال: وعلى الرغم من ذلك، لم يكن ذلك المال هو “أجرتهم” على علمهم! بل كان هدف ذلك المال هو إعانتهم على التفرغ للعلم! ولم تكن هذه النظرة مقتصرة على العلم، بل إنها شملت قضايا كثيرة ومنها قضية الخلافة! فعندما وُلّي سيدنا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الخلافة، وجده الصحابة اليومَ التالي في السوق يسعى لتأمين احتياجات أسرته!
وتشير النصوص أيضاً، أنه وفي عصور الانحطاط، تراجع دور الدولة في دعم العلم، وربما تفيد كلمات الإمام ابن الجوزي (512 – 597 هـ) في رسم صورة مجملة عن وضع العلم في العصور الأولى وما آل إليه في عصره، حيث يقول في كتابه المعروف “صيد الخاطر”:
“وقد كانوا [أي العلماء] يكفيهم بيتُ المال فضلات الإخوان، فلما عدُمَت في هذا الأوان، لم يقدر متديِّن على شيء إلا ببذل شيء من دينه، وليته قدِر، فربما تلف الدين، ولم يحصل له شيء”. (الاقتباس من طبعة دار القلم في دمشق، تحرير حسن السماحي سويدان، ، 2009، ط2: ص 35).
والمهم في الأمر هو أن مفهوم “الملكية الفكرية” هو مفهوم جديد أفرزته الحياة الرأسمالية، لضمان فائدة المؤلف من عملية الاستثمار للعمل الفكري الذي قام به. وقد اعتبر الكثير من العلماء والفقهاء في القرن الماضي مفهوم “الملكية” هذا، من العُرف الصحيح الذي لا يعارض الشرع (على أن البعض رفض هذا المفهوم رفضاً كلياً). وربما كان هذا الاعتبار صحيحاً في عصر الطباعة، ولكن الأمر اختلف الآن في عصر تقانات المعلومات الجديدة. فهذا المفهوم أصبح يحد من انتشار العلم بشكل سافر، لأنه يحرم كماً هائلاً من المعرفة الانتقال من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي. هذا لا يعني أننا ندعو إلى الاستغناء عن الوسائط الورقية التقليدية للمعرفة، أو أننا نتنكر لميزاتها، إلا أننا في نفس الوقت نؤمن بأهمية دور التقانات الجديدة في سد الكثير من الثغرات التي نعاني منها، وأقل ذلك تسهيل انتشار العلم بكلفة مادية أقل (على المدى البعيد)، فضلاً عن دور الحواسيب المطّرد في تطوير البحث العلمي من خلال أدوات وبرمجيات الذكاء الصنعي التي تندرج تحت ما يسمى بالعلم الإلكتروني e-Science.
يجب علينا إذاً أن نعترف أن محاولة الإجابة عن السؤال السريع الذي ابتدأت به التدوينة، إنما يتطلب اجتهاداً علمياً ضخماً، ورؤية ثاقبة لواقع الناس وأحوالهم، ولا تكفي الإجابات الحالية التي حاول القيام بها عدد من المفتين والمجتهدين، جزاهم الله خيراً على أية حال.
وتجدر الإشارة بعد كل هذا الكلام إلى أن شريحة من المجتمعات الرأسمالية نفسها بدأت تضجّ بمفهوم “الملكية الفكرية” هذا. والمقصود بتلك الشريحة أساساً الشريحة التي نهضت بـ “حركة البرمجيات الحرة” Free Software Movement في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من أن هذه الحركة بدأت في مجال البرمجيات إلا أن أثرها تداعى إلى عالم المعرفة التقليدي، وانبثقت حركة أخرى تسمى “حركة الثقافة الحرة” Free Culture Movement، والتي طرحت تراخيص استخدام لللمنشورات والمؤلفات بديلة عن التراخيص التقليدية، حيث تولت مؤسسة “المشاعات الإبداعية” Creative Commons ترسيخ هذه التراخيص الجديدة من الناحية القانونية.
مهما كان الأمر، فإنني أؤكد أن وجود رؤىً محلية لمعالجة المشكلة داخل المجتمعات الرأسمالية أمر غير كاف على الإطلاق بالنسبة لنا [يُراجع بتوسع تدوينة “الجوانب الاجتماعية للبرمجيات غير المملوكة” للمدوّن]، ولا يمكن أن يبرر هذا لأمة مؤلفة من مليار إنسان أن تتوانى عن معرفة أمر ربها، لأن هذا يتنافى مع طبيعتها ومع أهدافها كأمة قُدِّر لها -عندما استمسكت بالإسلام- أن تكون “خير أمة أخرجت للناس”، استطاعت، وكما لم تفعل أمة أي نبي من أنبياء الله من قبل، أن تغير وجه التاريخ البشري للأبد.
صلاة الله عليك وسلامه يا رسول الله…
فالهدف من التدوينة هذه كان مجرد رسم حدود وأبعاد مشكلة كبيرة لا بُدَّ من حلّها وفقاً لرؤية كاملة، وهي دعوة لكل من علماء الأمة ومجتهديها من جهة والمعلوماتيين وعلماء الحاسوب المسلمين من جهة أخرى، إلى بذل مزيد من الجهود لبناء تلك الرؤية وتصحيح المسار.
والله تعالى أعلم.