سأتناول ورقة بحث مقدمة من قبل الدكتور كاسترين ويبر Dr. Kastren Weber للمجلة الدولية لأخلاقيات المعلومات International Journal of Information Ethics (IJIE) يتحدث فيها بإيجاز عن تاريخ حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر التي يشير لها باسم البرمجيات غير المملوكة non-proprietary software، ويحاول فيها تقديم تصور عن الخلفية الإيديولوجية لهذه الحركة الاجتماعية. كما يشير الباحث إلى عدد من المشاكل التي تتعلق بهذه الحركة، كمفهوم التمويل ومفهوم المسؤولية. وفي نهايته يقدم خطوطاً عامة يتنبأ من خلالها بمستقبل هذه الحركة.
تكمن أهمية الاطلاع على محتوى هذا البحث في رأيي بالنسبة للمسلمين في ناحيتين. الناحية الأولى استكشاف طبيعة هذه الحركة ونوعية الأدوات البرمجية التي يمكن تطويرها من خلال المنهجيات التي تطرحها هذه الحركة، أما الثانية فهي محاولة الاستناد على المرتكز الإسلامي الأخلاقي كضرورة أساسية في عملية تأسيس صناعة برمجيات محلية الأمر الذي سأحول أن أوضح بعض معالمه بعد استعراض للأفكار التي يتناولها البحث.
يشير الكاتب في البداية إلى أن حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر، كحركة اجتماعية، ما زالت حركة هامشية، ولا يمكن أن تقارن بالحركات الاجتماعية الأخرى (كالحركات المناوئة للعولمة، وحركات حماية البيئة على سبيل المثال)، فمجتمعات التطوير التي نشأت عن هذه الحركة لا تمثّل بالضرورة الأفكار الأصلية التي بنيت عليها الحركة، فها نحن نجد ريتشارد ستولمان Richard Stallman، مؤسس مؤسسة البرمجيات الحرة Free Software Foundation، يوجه اللوم والانتقاد إلى مشاريع حركة البرمجيات المفتوحة المصدر Open Source Software، بسبب تركيزها على الناحية التكنولوجية دون النواحي الأخلاقية والاجتماعية، وهذا نقص كبير له دلالته عند محاولة فهم الأهمية الاجتماعية لهذه الحركة.
ويرى الباحث أن معظم النقاشات والآراء التي تطرح من أجل دعم أفكار الحركة تفتقر إلى كثير من الموضوعية، ومن النادر أن تخلو من الموالاة أو المعارضة، حيث تكون العواطف سائدة في ذلك النوع من النقاشات.
الأيديولوجيا
عند التحدث عن الناحية الأيديولوجية (أي الأفكار الأساسية التي ينطلق منها في بناء التصور الكلي لموضوع معين)، نجد تبايناً بين البرمجيات الحرة Free Software والبرمجيات المفتوحة المصدر Open Source Software فيما يخص فكرة ملكية البرنامج. نجد في أفكار إيريك رايموند Eric Raymond، المدافع عن البرمجيات المفتوحة المصدر، تركيزاً على النواحي النفعية، أي الفوائد التي يمكن أن تعم عند إبقاء الرماز المصدر مفتوحاً. بينما يؤكد ريتشارد ستولمان Richard Stallman، السابق ذكره، وجوب بقاء الرماز المصدري “حراً” (سيتم شرح مفهوم الحرية لاحقاً)، ويرى أن هذا الأمر واجب أخلاقي تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان.
على الرغم من الاختلاف بين ستولمان ورايموند، إلا أنهما ينطلقان من المنطلق نفسه، فكلاهما يؤمن بالفكر الليبرالي (الذي نراه جاهلياً)، ويرى الباحث أن ثمة اختلافاً في فهم كل منهما لمعنى الليبرالية.
من ناحية يعتبر ريتشارد ستولمان البرنامج نوعاً من المعلومات أو المعرفة ولهذا السبب لا يجوز لأحد أن يدعي حق التصرف الحصري على الأفكار أو المعلومات لأن هذا سيؤدي إلى الضرر بالناس الآخرين. عندما يقوم بهذا فإن ستولمان يناقش من منطلق ليبرالي يساري، قريب إلى منطلق وأسلوب جون لوك John Locke، الذي يرى أنه من المحرم أخلاقياً امتلاك الموارد الطبيعية كالماء أو الغذاء دون ترك كمية كافية للآخرين، وعند ادعاء التصرف الحصري في هذه الموارد فإن هذا سيؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين. وستولمان قام في الحقيقة بتطبيق هذه الفكرة على عالم الأفكار والمعلومات.
هناك نقطة مهمة وأساسية في الفكر الليبرالي تشكل منطلقاً مهماً، وهي مفهوم الملكية الخاصة. فعند الحصول على بضاعة بطريقة شرعية لا يجوز أن يتدخل أحد في ملكية الفرد أبداً، وعلى هذا، فإذا حصل إنسان ما على برنامج حاسوب فهذا يعني أنه يجب أن يكون حراً، يفعل به ما يشاء، وهذا يتضمن البيع والوهب والتعديل وإعادة الهندسة وغير ذلك. وفي حال الانطلاق من هذا المنطلق، يتبين لنا طبيعة الاختلاف بين رايموند وستولمان. فوفقاً للتصور السابق، فإن الحصول على البرنامج إذا تمّ من خلال تبادل إرادي فإنه من الشرعي أن يتضمن تقييداً لحقوق الاستخدام طالما أنه تضمن موافقة الطرفين، وهذا يسمح لرايموند الذي يبدو أنه يميل إلى اليمين الليبرالي بقبول اعتبار البرنامج بضاعة وقبول مفهوم ملكية البرنامج السائد أمراً مبرراً وشرعياً، وهذا ما يرفضه ستولمان. لكن على الرغم من هذا، فإن رايموند يرى أن مفهوم ملكية البرنامج أمر ضار، ولا يرفضه انطلاقاً من مبادئ أو مفاهيم كلية بقدر ما يدعو إلى رفضه من منطلق نفعي pragmatic.
رغم المنطلق الليبرالي الذي يركز على الحقوق الفردية لكل من ستولمان ورايموند، إلا أن الباحث يشير إلى أن أفكار حركة البرمجيات غير المملوكة متأثرة إلى حد بعيد بالفلسفات الاجتماعية (التي نرى أنها جاهلية) كالماركسية Marxism والشيوعية Communism والفوضوية Anarchism، دون أن يشرح ذلك بالتفصيل، لكنه يؤكد أن هذا التناقض الذي يكتنف أفكار الحركة لا بد أن يدفعها إلى التطور والانقسام في المستقبل.
مسح تاريخي سريع
بعد تناوله للموضوع الأيديولوجي ينطلق إلى استعراض سريع لتاريخ تطور البرمجيات غير المملوكة. ففي بداية الستينيات انتشرت الحواسيب بشكل كبير خصوصاً في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، وكان على المستخدمين أن يكتبوا برامجهم بأنفسهم، حيث لم تتواجد البرمجيات المعيارية ولم تكن هناك صناعة برمجيات بعد. فكان الأشخاص الذين يقومون ببرمجة الحواسيب يشاركون تطويراتهم مع الآخرين، وكانوا بذلك يتصرفون كعلماء، وكانت تطويراتهم البرمجية تعتبر كنتيجة للبحث العلمي، لذلك فقد كان الرماز المصدري مفتوحاً. وفضلاً عن هذا، كانت المسؤولية عن النتائج المترتبة على استخدام البرنامج أمراً غائباً في ذلك المجتمع العلمي.
في أواخر السبعينيات وفي الثمانينيات حصلت العديد من التغييرات في عملية تطوير البرمجيات خصوصاً بعد انتشار الحواسيب الصغيرة (مثل Apple II وIBM PC)، والتي أدت إلى ظهور سوق للبرمجيات. وأدى ذلك إلى ظهور مفهوم ملكية البرامج، فلم يعد الرماز المصدري مفتوحاً مثلما كان من قبل. وكما يقول الباحث فقد تحوّل تطوير البرمجيات العلمي الطابع إلى إنتاج تجاري الطابع.
رفض ريتشارد ستولمان أحد أهم رموز مجتمع البرمجيات غير المملوكة أن يكون جزءاً من منظومة الإنتاج التجاري للبرمجيات الجديدة، فترك معهد MIT سنة 1984 حيث كان يعمل لعدة سنوات في مختبر الذكاء الصنعي. وبدأ بمشروع GNU، حيث أراد تطوير نظام تشغيل حر شبيه بنظام الـ UNIX، وقام بإنشاء مؤسسة البرمجيات الحرة Free Software Foundation. ويُقصد بالحرية، حرية استخدام وتغيير وصيانة وتوزيع البرنامج من قبل الجميع. ولحماية هذه الحرية، قام ستولمان بتأليف رخصة GNU العمومية GNU Public License (GPL).
وكما أشار الباحث من قبل، وبقدر التوجه ذي الطابع الأيديولوجي والأخلاقي الذي يغلب على خطاب ستولمان في حديثه عن البرمجيات الحرة، نجد النفعية غالبة في خطاب إيريك رايموند الذي أسس مبادرة البرمجيات المفتوحة المصدر في عام 1998 كردة فعل على طرح شركة Netscape للرماز المصدري لمتصفح الويب الخاص بها. فأنصار البرمجيات المفتوحة المصدر غالباً ما يتحدثون عن فوائد فتح الرماز المصدري للبرنامج، فهم يرون أن تلك البرمجيات يمكن الاعتماد عليها بشكل أكبر، كما أنها سهلة الإصلاح والتطوير.
ثم يحدّثنا الباحث عن لينوس تروفالدس Linus Trovalds الذي قام ببناء نظام التشغيل Linux بالتزامن مع مشروع GNU الذي بدأه ستولمان، وكانت نتيجة تعاونهما نظام التشغيل Linux/GNU المعروف الآن بـ Linux. وعلى الرغم من ذلك فإن تروفالدس أقرب من ناحية الأفكار إلى رايموند، وأفكاره غالباً ما تتمحور حول مبادئ نفعية، وهو نفسه يعمل في مجال صناعة البرمجيات التقليدية.
الدوافع
ونقطة مهمة يتطرق إليها الباحث، وهي أهمية إدراك الدوافع وراء تطوير البرمجيات غير المملوكة. وقد قام كل من كريم لخاني وجيمس وولف بإعداد دراسة أوسع مما أشار إليه الباحث في ورقة البحث التي نتناولها الآن (يمكن تحميلها من هذا الرابط). وعلى أية حال فإن الباحث يرى أن دافع الرفض والمعارضة للأرباح الهائلة والسياسات الاحتكارية التي تقوم بها الشركات لمنافسيها، فضلاً عن الرغبة العميقة بالاطلاع على الرماز المصدري، والاعتقاد بأن بيل غيتس يسعى من خلال شركته إلى التحكم بالعالم هي ربما الدوافع الرئيسية للمطورين. ومعرفة الدوافع لا بد أن يعطينا فكرة مهمة عن طبيعة البرمجيات التي يتم توليدها من قبل حركة البرمجيات الحرة. وهو ما سأشير إليه –إن شاء الله- في تعقيبي على البحث.
منهجية التطوير: عدم المسؤولية، واللامؤسساتية
الإنترنت هي الأداة الرئيسية في عملية تطوير البرنامج غير المملوك، ولولا هذه الأداة، كما يرى الباحث، ما كان لمشاريع ضخمة مثل Linux أو Apache Server أن تأتي إلى الوجود، لأن تطوير ودعم وتوزيع مشاريع ضخمة كهذه لا يمكن أن يتم إلا من خلال اتصالات سريعة ورخيصة وغير متزامنة بين العاملين في المشروع. في أغلب الأحيان فإن مشاريع البرمجيات غير المملوكة ترتكز على فريق ثابت من المطورين، وحول هذه النواة تجتمع حشود كبيرة من الناس الذين يدعمون عملية التطوير بطرق عدة، كاختبار إصدارات البرمجيات، أو ببرمجة الأجزاء الصغيرة من المشروع. ولكل مشروع شخص أو عدة أشخاص يدعى الصائن maintainer الذي يمثل المشروع للجهات الخارجية، والذي يقوم باختيار الكود النهائي لإصدارات المشروع.
ثم يشير الكاتب إلى عيب كبير في البرمجيات غير المملوكة وهو غياب مفهوم المسؤولية عن البرنامج. فالانضمام إلى مجتمع تطوير لبرمجيات غير مملوكة تطوعي يمكن للمرء أن يلجه بسهولة، ويمكن أن يخرج منه بالقدر نفسه من السهولة، وحتى الأشخاص ذوي المرتبة العالية في المشروع، كالصائن، لا يتحملون أي نوع من المسؤولية الأخلاقية أو القانونية عن البرنامج. وهذا الأمر يشكل مشكلة بالنسبة للمؤسسات والسلطات حين تفكر في اعتماد برمجيات غير مملوكة، وغالباً ما يدفعها هذا العيب إلى العزوف عن الدخول في تجربة مجهولة محفوفة بالمخاطر. والسبب في هذا هو أن عملية التطوير البرمجيات غير المملوكة على الرغم من تنظيمها وعالميتها، إلا أنها عملية غير مؤسساتية، وفكرة المؤسساتية داخل مجتمع المطورين مرفوضة تماماً بالقدر نفسه الذي ترفض فيه فكرة المسؤولية القانونية أو الأخلاقية.
التعقيب
لا بد لي بعد هذا العرض لمحتوى البحث أن أعود إلى النقطة التي بدأت بها، فهناك جوانب نحن معنيون بالوقوف عندها وإدراكها، خصوصاً بعد أن أصبح الإقبال على البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر يزداد يوماً بعد يوم، دون وجود رؤية واضحة ومحددة لدى الكثيرين.
النقطة الأولى هي إدراك طبيعة البرمجيات التي يمكن أن تنتجها حركة البرمجيات غير المملوكة، والتي تتحدد من خلال الدوافع ومنهجية التطوير. فمن الناحية النظرية يمكن تطوير أي مشروع، ولكن الواقع يخبرنا بغير هذا. إن نظرة سريعة لكل ناتج الحركة ستكشف لنا عن حقيقة مهمة جداً، فمعظم عمليات التطوير كانت تتم من قبل الهاكرز hackers، وهم الأشخاص الفنيون البارعون في برمجة الحاسوب وكشف الأخطاء وتتبع الثغرات (ولا نقصد بذلك المعنى الإعلامي المنتشر الذي يشير إلى المخترقين)، لذلك فقد كان الناتج موجّهاً لتأمين حاجاتهم بالدرجة الأولى. فأنجح مشاريع البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر هي مشاريع تتضمن أدوات وبنى تحتية برمجية ويشار إليها بـ LAMP أي مشاريع Linux وApache Server وMySQL وPHP/Perl، ويمكننا أن نضيف مشروع Eclipse لبناء بيئات تطوير متكاملة IDEs تدعمه شركات عدة مثل IBM لمنافسة شركة مايكروسوفت Microsoft. ونجد في غالب منتجات الحركة شيئاً من القصور في ناحية تأمين سهولة التخاطب مع المستخدمين العاديين في أغلب المنتجات. والأهم من هذا كله أن الحركة لا تقود عملية التطور المعلوماتي في المجتمعات الرأسمالية، كما أنها لا تقدّم أدوات أساسية لخدمة المجتمعات التي ولدت فيها، فهي مثلاً لم تقدم منتجات محترفة في مجال التصميم بمساعدة الحاسوب Computer-Aided Design (CAD)، وهذا النوع من البرامج أساسي في المجتمعات الغربية التي تعد مجتمعات صناعية بالدرجة الأولى. وعلى أية حال، فإن هذا كله طبيعي ومفهوم في ضوء معرفتنا التي اكتسبناها حول طبيعة حركة البرمجيات غير المملوكة والدوافع الكامنة وراء عملية التطوير. لذلك فإن تفكيرنا بأن مجرّد الانتقال إلى موجة هذه الحركة، سواءً من ناحية الأفكار، أو من ناحية استيراد وغرس التكنولوجيا التي صنعتها هذه الحركة لن يكون كافياً لنا. فهذه الحركة عجزت، بعد هذه الفترة الطويلة، عن أن تقدم أدوات معلوماتية كاملة لتسير بها مجتمعاتها، فكيف يمكننا أن نفكر أن هذه الحركة ستقدّم للدول النامية أدوات معلوماتية لتنمية المجتمع وحل مشاكله؟ هذا لا يعني أن استيراد التكنولوجيا التي ولّدتها صناعة البرمجيات الرأسمالية هي الحل، أو أنها أفضل. نعم، لا بد أن ثمة دوافع مشتركة موجودة، ولكننا يجب أن لا نتجاهل الفرق الشاسع بين الأفراد الذين يحاولون التحرر من رق الشركات الرأسمالية في مجتمعاتهم، وبين من يريد لأمة كاملة من البشر يزيد تعدادها عن مليار إنسان أن تستقل تماماً عن سيطرة المجتمعات والقوى الرأسمالية، حتى تستطيع أن تقود هذه البشرية، وتحكمها بمنهجها القويم، وتردها إلى جادة الصواب، وتقوم بتحقيق غاية وجود الإنسان في الكون. فهذا الفرق الضخم هو تماماً كالفرق بين من يبني سفينة ليقطع بها النهر، وبين من يريد أن يبني سفينة ليخوض بها عباب المحيط. فالشيء الذي لا بد من أو يوضع بالحسبان هو أنه لا مفر لنا من أن نبدأ بالعمل انطلاقاً من مرتكزاتنا نحن، ومن خلال رؤيتنا الخاصة للكون وغاية الحياة من جهة، وإدراكنا لاحتياجات واقعنا.
هذا يقودني إلى النقطة الثانية. فلقد تبين من خلال العرض السابق ارتباط مسألة التعامل مع البرمجيات بالقيم والأخلاق والمعايير فضلاً عن المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية، لذلك فنحن نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى تأصيل إسلامي للموضوع. فلا ينبغي للإنسان الذي أسلم وجه لله عز وجل أن ينتكس كما انتكس الآخرون، ويغترف قيمه وأفكاره ومشاعره وأحاسيسه وتشريعاته من الحمأة التي يغترف منها الناس من القيم والأفكار البشرية الهزيلة، فلا بد له من أن يستقي كل ذلك من ذلك النبع الكوني الصافي: الوحي الإلهي، وهو جسر يستمد عن طريقه قيمه من خارج الوجود الكوني بحد ذاته، من الخالق عز وجل.
وهذا لا يعني أن غير المسلمين لا يمكن أن يصلوا إلى شيء من القيم والأخلاق، فرسول الله (ص) يقول: “خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إذا فقهوا”، ولكن هذا لا يبرر للمسلمين أن يتوانوا عن التحري عما يأمرهم به الله، فضلاً عن هذا فإن الأساس الذي تنبثق عنه الأخلاق له دور كبير في توجيهها، وحسبنا أن نشير إلى الفرق الهائل بين شجاعة المقاتل الجاهلي في نصرة قبيلته، وبين تألق شجاعة المجاهد المسلم المقرونة بإخلاصه لله والتي فتحت من خلالها معظم أصقاع الأرض في أقل من قرن.
فنقطة الارتكاز التي ترتكز عليها مبادئ حركة البرمجيات الحرة هي “حرية المستخدم”، وأظن أنه عندما نُقدِم على الإسلام لنلتمس ما يريده منا، فإننا سنجد أن نقطة الارتكاز هي مبدأ عدم كتم العلم، فرسول الله محمد عليه الصلاة والسلام يقول: “من علم علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار”. وهذا سيتيح لنا رؤية فاحصة وثاقبة وأكثر مرونة لعالم البرمجيات، الأمر الذي ربما تفتقر إليه مفاهيم حركة البرمجيات الحرة، والتي تسقط على جميع أنواع البرمجيات رؤية واحدة، تماماً كالشخص الذي يرى جميع الأبنية التي تعجّ بها مدينة ما متساوية كونها مرصوفة جميعها من الحجارة، دون أن يدرك الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي يتقلّدها كل بناء.
بالإضافة إلى أهمية الارتكاز على المبادئ الإسلامية، فإن إقدامنا عليها ما هو إلا إقبال على مبادئ مرتبطة بنظام حياتي اجتماعي واقتصادي متكامل، وهذا أمر بالغ الأهمية في الحقيقة: فأحد أهم أسباب عدم نجاح حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر في قيادة عملية التطوير المعلوماتي في المجتمعات الرأسمالية، هي أنها لم يكن لها مرتكز فكري متين، فمعظم العاملين في هذا المجال يفضلون الابتعاد عن الناحية الإيديولوجية، وحتى أكثرهم تمسكاً بها، ومنهم ريتشارد ستولمان، يرفض أن يركن إلى أي نظام اجتماعي أو اقتصادي في طرح أفكاره، فهو، في نفس الوقت، يرفض ممارسات الرأسمالية، ويذب عن نفسه الاتهامات بالشيوعية، لذلك فكانت أدوات التطوير البرمجية قاصرة –كما أشرت- في مجتمعاتها وغير مجتمعاتها. أما حينما تكون الرؤية مرتبطة بالإسلام، فإن هذا سيتيح لنا استخدام الأدوات الاجتماعية والاقتصادية التي يبنيها نظامه الروحي، فنتمكن من حل العديد من المشكلات بوسائل مبتكرة بالنسبة لغير المسلمين الذين يعيشون في ظل الأنظمة الرأسمالية. وكمثال أسوقه لتوضيح الفكرة، يمكن استخدام فكرة الوقف في تطوير برمجيات غير مملوكة من خلال مؤسسة وقفية، وهكذا يمكننا سد ثغرة كبيرة تعاني منها حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر الحالية، وهي فكرة التطوير المؤسساتي، الذي يهدف في النهاية إلى تنمية تعامل المجتمع مع المعلومات التي يتداولها، فضلاً عن تحقيق استقلال هذا المجتمع عن المجتمعات الأخرى، وهكذا يمكن أن يتولد لدينا كم ضخم من البرمجيات ذات النوعية العالية، والتي تظلّ ملكاً عاماً للأمة، يمكن لأي شخص أو مؤسسة أخرى، من الأجيال الحالية أو الأجيال اللاحقة، أن تتولى عملية التطوير لهذا التراث البرمجي ليتواءم مع حاجات الأمة ومع التحديات التي تواجهها.
وهذا لا يعني أن النتيجة ستفترق عما وصلت إليه حركة البرمجيات الحرة أو أنها ستلتقي به بالضرورة، فهذا الأمر لا يمكننا أن نتنبأ به في الحقيقة، والأهم من ذلك أنه أمر غير مهم على الإطلاق، بل المهم هو الانطلاق من رؤيتنا الخاصة للكون والحياة ومن نظمنا ومبادئنا وأخلاقنا، فيغدو جزء كبير من حياتنا متسقاً مع باقي الأجزاء ومتكاملاً معها، بدل أن يكون تابعاً لأفكار وعقول الغير.
والله تعالى أعلم.