المتتاليات المتقاربة: شرط التقارب

أكتوبر 6, 2009

حاولت أن أبحث عن معنى شرط تقارب المتتالية في العديد من المراجع، إلا أن الكثير منها، كان يذكر المعلومات الرياضية مجردة عن شرح المفهوم الكامن وراءها، ولكنني، والحمد لله، ظفرت في النهاية بمرجع باللغة الإنكليزية، كان فيه شيئاً من الشرح المفيد، وقد التقطت هذا المخطط البياني منه.

عندما نقول أن متتالية ما تتقارب من عدد حقيقي L ، فهذا يعني أننا نقول:

convergence

عندها يكون شرط التقارب محققاً. وذلك أن الفرق بين قيمة حد المتتالية an والنهاية L، يصبح أصغر من عدد صغير حقيقي ε ، وذلك من أجل قيم n كبيرة بما فيه الكفاية (أي أكبر من عدد طبيعي مثل N). وآمل من المخطط التالي أن يوضح المقصود.

convergence0

الجوانب الاجتماعية للبرمجيات غير المملوكة

سبتمبر 29, 2009

سأتناول ورقة بحث مقدمة من قبل الدكتور كاسترين ويبر Dr. Kastren Weber للمجلة الدولية لأخلاقيات المعلومات International Journal of Information Ethics (IJIE) يتحدث فيها بإيجاز عن تاريخ حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر التي يشير لها باسم البرمجيات غير المملوكة non-proprietary software، ويحاول فيها تقديم تصور عن الخلفية الإيديولوجية لهذه الحركة الاجتماعية. كما يشير الباحث إلى عدد من المشاكل التي تتعلق بهذه الحركة، كمفهوم التمويل ومفهوم المسؤولية. وفي نهايته يقدم خطوطاً عامة يتنبأ من خلالها بمستقبل هذه الحركة.

تكمن أهمية الاطلاع على محتوى هذا البحث في رأيي بالنسبة للمسلمين في ناحيتين. الناحية الأولى استكشاف طبيعة هذه الحركة ونوعية الأدوات البرمجية التي يمكن تطويرها من خلال المنهجيات التي تطرحها هذه الحركة، أما الثانية فهي محاولة الاستناد على المرتكز الإسلامي الأخلاقي كضرورة أساسية في عملية تأسيس صناعة برمجيات محلية الأمر الذي سأحول أن أوضح بعض معالمه بعد استعراض للأفكار التي يتناولها البحث.

يشير الكاتب في البداية إلى أن حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر، كحركة اجتماعية، ما زالت حركة هامشية، ولا يمكن أن تقارن بالحركات الاجتماعية الأخرى (كالحركات المناوئة للعولمة، وحركات حماية البيئة على سبيل المثال)، فمجتمعات التطوير التي نشأت عن هذه الحركة لا تمثّل بالضرورة الأفكار الأصلية التي بنيت عليها الحركة، فها نحن نجد ريتشارد ستولمان Richard Stallman، مؤسس مؤسسة البرمجيات الحرة Free Software Foundation، يوجه اللوم والانتقاد إلى مشاريع حركة البرمجيات المفتوحة المصدر Open Source Software، بسبب تركيزها على الناحية التكنولوجية دون النواحي الأخلاقية والاجتماعية، وهذا نقص كبير له دلالته عند محاولة فهم الأهمية الاجتماعية لهذه الحركة.

ويرى الباحث أن معظم النقاشات والآراء التي تطرح من أجل دعم أفكار الحركة تفتقر إلى كثير من  الموضوعية، ومن النادر أن تخلو من الموالاة أو المعارضة، حيث تكون العواطف سائدة في ذلك النوع من النقاشات.

الأيديولوجيا

عند التحدث عن الناحية الأيديولوجية (أي الأفكار الأساسية التي ينطلق منها في بناء التصور الكلي لموضوع معين)، نجد تبايناً بين البرمجيات الحرة Free Software والبرمجيات المفتوحة المصدر Open Source Software فيما يخص فكرة ملكية البرنامج. نجد في أفكار إيريك رايموند Eric Raymond، المدافع عن البرمجيات المفتوحة المصدر، تركيزاً على النواحي النفعية، أي الفوائد التي يمكن أن تعم عند إبقاء الرماز المصدر مفتوحاً. بينما يؤكد ريتشارد ستولمان Richard Stallman، السابق ذكره، وجوب بقاء الرماز المصدري “حراً” (سيتم شرح مفهوم الحرية لاحقاً)، ويرى أن هذا الأمر واجب أخلاقي تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان.

على الرغم من الاختلاف بين ستولمان ورايموند، إلا أنهما ينطلقان من المنطلق نفسه، فكلاهما يؤمن بالفكر الليبرالي (الذي نراه جاهلياً)، ويرى الباحث أن ثمة اختلافاً في فهم كل منهما لمعنى الليبرالية.

من ناحية يعتبر ريتشارد ستولمان البرنامج نوعاً من المعلومات أو المعرفة ولهذا السبب لا يجوز لأحد أن يدعي حق التصرف الحصري على الأفكار أو المعلومات لأن هذا سيؤدي إلى الضرر بالناس الآخرين. عندما يقوم بهذا فإن ستولمان يناقش من منطلق ليبرالي يساري، قريب إلى منطلق وأسلوب جون لوك John Locke، الذي يرى أنه من المحرم أخلاقياً امتلاك الموارد الطبيعية كالماء أو الغذاء دون ترك كمية كافية للآخرين، وعند ادعاء التصرف الحصري في هذه الموارد فإن هذا سيؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين. وستولمان قام في الحقيقة بتطبيق هذه الفكرة على عالم الأفكار والمعلومات.

هناك نقطة مهمة وأساسية في الفكر الليبرالي تشكل منطلقاً مهماً، وهي مفهوم الملكية الخاصة. فعند الحصول على بضاعة بطريقة شرعية لا يجوز أن يتدخل أحد في ملكية الفرد أبداً، وعلى هذا، فإذا حصل إنسان ما على برنامج حاسوب فهذا يعني أنه يجب أن يكون حراً، يفعل به ما يشاء، وهذا يتضمن البيع والوهب والتعديل وإعادة الهندسة وغير ذلك. وفي حال الانطلاق من هذا المنطلق، يتبين لنا طبيعة الاختلاف بين رايموند وستولمان. فوفقاً للتصور السابق، فإن الحصول على البرنامج إذا تمّ من خلال تبادل إرادي فإنه من الشرعي أن يتضمن تقييداً لحقوق الاستخدام طالما أنه تضمن موافقة الطرفين، وهذا يسمح لرايموند الذي يبدو أنه يميل إلى اليمين الليبرالي بقبول اعتبار البرنامج بضاعة وقبول مفهوم ملكية البرنامج السائد أمراً مبرراً وشرعياً، وهذا ما يرفضه ستولمان. لكن على الرغم من هذا، فإن رايموند يرى أن مفهوم ملكية البرنامج أمر ضار، ولا يرفضه انطلاقاً من مبادئ أو مفاهيم كلية بقدر ما يدعو إلى رفضه من منطلق نفعي pragmatic.

رغم المنطلق الليبرالي الذي يركز على الحقوق الفردية لكل من ستولمان ورايموند، إلا أن الباحث يشير إلى أن أفكار حركة البرمجيات غير المملوكة متأثرة إلى حد بعيد بالفلسفات الاجتماعية (التي نرى أنها جاهلية) كالماركسية Marxism والشيوعية Communism والفوضوية Anarchism، دون أن يشرح ذلك بالتفصيل، لكنه يؤكد أن هذا التناقض الذي يكتنف أفكار الحركة لا بد أن يدفعها إلى التطور والانقسام في المستقبل.

مسح تاريخي سريع

بعد تناوله للموضوع الأيديولوجي ينطلق إلى استعراض سريع لتاريخ تطور البرمجيات غير المملوكة. ففي بداية الستينيات انتشرت الحواسيب بشكل كبير خصوصاً في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، وكان على المستخدمين أن يكتبوا برامجهم بأنفسهم، حيث لم تتواجد البرمجيات المعيارية ولم تكن هناك صناعة برمجيات بعد. فكان الأشخاص الذين يقومون ببرمجة الحواسيب يشاركون تطويراتهم مع الآخرين، وكانوا بذلك يتصرفون كعلماء، وكانت تطويراتهم البرمجية تعتبر كنتيجة للبحث العلمي، لذلك فقد كان الرماز المصدري مفتوحاً. وفضلاً عن هذا، كانت المسؤولية عن النتائج المترتبة على استخدام البرنامج أمراً غائباً في ذلك المجتمع العلمي.

في أواخر السبعينيات وفي الثمانينيات حصلت العديد من التغييرات في عملية تطوير البرمجيات خصوصاً بعد انتشار الحواسيب الصغيرة (مثل Apple II وIBM PC)، والتي أدت إلى ظهور سوق للبرمجيات. وأدى ذلك إلى ظهور مفهوم ملكية البرامج، فلم يعد الرماز المصدري مفتوحاً مثلما كان من قبل. وكما يقول الباحث فقد تحوّل تطوير البرمجيات العلمي الطابع إلى إنتاج تجاري الطابع.

رفض ريتشارد ستولمان أحد أهم رموز مجتمع البرمجيات غير المملوكة أن يكون جزءاً من منظومة الإنتاج التجاري للبرمجيات الجديدة، فترك معهد MIT سنة 1984 حيث كان يعمل لعدة سنوات في مختبر الذكاء الصنعي. وبدأ بمشروع GNU، حيث أراد تطوير نظام تشغيل حر شبيه بنظام الـ UNIX، وقام بإنشاء مؤسسة البرمجيات الحرة Free Software Foundation. ويُقصد بالحرية، حرية استخدام وتغيير وصيانة وتوزيع البرنامج من قبل الجميع. ولحماية هذه الحرية، قام ستولمان بتأليف رخصة GNU العمومية GNU Public License (GPL).

وكما أشار الباحث من قبل، وبقدر التوجه ذي الطابع الأيديولوجي والأخلاقي الذي يغلب على خطاب ستولمان في حديثه عن البرمجيات الحرة، نجد النفعية غالبة في خطاب إيريك رايموند الذي أسس مبادرة البرمجيات المفتوحة المصدر في عام 1998 كردة فعل على طرح شركة Netscape للرماز المصدري لمتصفح الويب الخاص بها. فأنصار البرمجيات المفتوحة المصدر غالباً ما يتحدثون عن فوائد فتح الرماز المصدري للبرنامج، فهم يرون أن تلك البرمجيات يمكن الاعتماد عليها بشكل أكبر، كما أنها سهلة الإصلاح والتطوير.

ثم يحدّثنا الباحث عن لينوس تروفالدس Linus Trovalds الذي قام ببناء نظام التشغيل Linux بالتزامن مع مشروع GNU الذي بدأه ستولمان، وكانت نتيجة تعاونهما نظام التشغيل Linux/GNU المعروف الآن بـ Linux. وعلى الرغم من ذلك فإن تروفالدس أقرب من ناحية الأفكار إلى رايموند، وأفكاره غالباً ما تتمحور حول مبادئ نفعية، وهو نفسه يعمل في مجال صناعة البرمجيات التقليدية.

الدوافع

ونقطة مهمة يتطرق إليها الباحث، وهي أهمية إدراك الدوافع وراء تطوير البرمجيات غير المملوكة. وقد قام كل من كريم لخاني وجيمس وولف بإعداد دراسة أوسع مما أشار إليه الباحث في ورقة البحث التي نتناولها الآن (يمكن تحميلها من هذا الرابط). وعلى أية حال فإن الباحث يرى أن دافع الرفض والمعارضة للأرباح الهائلة والسياسات الاحتكارية التي تقوم بها الشركات لمنافسيها، فضلاً عن الرغبة العميقة بالاطلاع على الرماز المصدري، والاعتقاد بأن بيل غيتس يسعى من خلال شركته إلى التحكم بالعالم هي ربما الدوافع الرئيسية للمطورين. ومعرفة الدوافع لا بد أن يعطينا فكرة مهمة عن طبيعة البرمجيات التي يتم توليدها من قبل حركة البرمجيات الحرة. وهو ما سأشير إليه –إن شاء الله- في تعقيبي على البحث.

منهجية التطوير: عدم المسؤولية، واللامؤسساتية

الإنترنت هي الأداة الرئيسية في عملية تطوير البرنامج غير المملوك، ولولا هذه الأداة، كما يرى الباحث، ما كان لمشاريع ضخمة مثل Linux أو Apache Server أن تأتي إلى الوجود، لأن تطوير ودعم وتوزيع مشاريع ضخمة كهذه لا يمكن أن يتم إلا من خلال اتصالات سريعة ورخيصة وغير متزامنة بين العاملين في المشروع. في أغلب الأحيان فإن مشاريع البرمجيات غير المملوكة ترتكز على فريق ثابت من المطورين، وحول هذه النواة تجتمع حشود كبيرة من الناس الذين يدعمون عملية التطوير بطرق عدة، كاختبار إصدارات البرمجيات، أو ببرمجة الأجزاء الصغيرة من المشروع. ولكل مشروع شخص أو عدة أشخاص يدعى الصائن maintainer الذي يمثل المشروع للجهات الخارجية، والذي يقوم باختيار الكود النهائي لإصدارات المشروع.

ثم يشير الكاتب إلى عيب كبير في البرمجيات غير المملوكة وهو غياب مفهوم المسؤولية عن البرنامج. فالانضمام إلى مجتمع تطوير لبرمجيات غير مملوكة تطوعي يمكن للمرء أن يلجه بسهولة، ويمكن أن يخرج منه بالقدر نفسه من السهولة، وحتى الأشخاص ذوي المرتبة العالية في المشروع، كالصائن، لا يتحملون أي نوع من المسؤولية الأخلاقية أو القانونية عن البرنامج. وهذا الأمر يشكل مشكلة بالنسبة للمؤسسات والسلطات حين تفكر في اعتماد برمجيات غير مملوكة، وغالباً ما يدفعها هذا العيب إلى العزوف عن الدخول في تجربة مجهولة محفوفة بالمخاطر. والسبب في هذا هو أن عملية التطوير البرمجيات غير المملوكة على الرغم من تنظيمها وعالميتها، إلا أنها عملية غير مؤسساتية، وفكرة المؤسساتية داخل مجتمع المطورين مرفوضة تماماً بالقدر نفسه الذي ترفض فيه فكرة المسؤولية القانونية أو الأخلاقية.

التعقيب

لا بد لي بعد هذا العرض لمحتوى البحث أن أعود إلى النقطة التي بدأت بها، فهناك جوانب نحن معنيون بالوقوف عندها وإدراكها، خصوصاً بعد أن أصبح الإقبال على البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر يزداد يوماً بعد يوم، دون وجود رؤية واضحة ومحددة لدى الكثيرين.

النقطة الأولى هي إدراك طبيعة البرمجيات التي يمكن أن تنتجها حركة البرمجيات غير المملوكة، والتي تتحدد من خلال الدوافع ومنهجية التطوير. فمن الناحية النظرية يمكن تطوير أي مشروع، ولكن الواقع يخبرنا بغير هذا. إن نظرة سريعة لكل ناتج الحركة ستكشف لنا عن حقيقة مهمة جداً، فمعظم عمليات التطوير كانت تتم من قبل الهاكرز hackers، وهم الأشخاص الفنيون البارعون في برمجة الحاسوب وكشف الأخطاء وتتبع الثغرات (ولا نقصد بذلك المعنى الإعلامي المنتشر الذي يشير إلى المخترقين)، لذلك فقد كان الناتج موجّهاً لتأمين حاجاتهم بالدرجة الأولى. فأنجح مشاريع البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر هي مشاريع تتضمن أدوات وبنى تحتية برمجية ويشار إليها بـ LAMP أي مشاريع Linux وApache Server وMySQL وPHP/Perl، ويمكننا أن نضيف مشروع Eclipse لبناء بيئات تطوير متكاملة IDEs تدعمه شركات عدة مثل IBM لمنافسة شركة مايكروسوفت Microsoft. ونجد في غالب منتجات الحركة شيئاً من القصور في ناحية تأمين سهولة التخاطب مع المستخدمين العاديين في أغلب المنتجات. والأهم من هذا كله أن الحركة لا تقود عملية التطور المعلوماتي في المجتمعات الرأسمالية، كما أنها لا تقدّم أدوات أساسية لخدمة المجتمعات التي ولدت فيها، فهي مثلاً لم تقدم منتجات محترفة في مجال التصميم بمساعدة الحاسوب Computer-Aided Design (CAD)، وهذا النوع من البرامج أساسي في المجتمعات الغربية التي تعد مجتمعات صناعية بالدرجة الأولى. وعلى أية حال، فإن هذا كله طبيعي ومفهوم في ضوء معرفتنا التي اكتسبناها حول طبيعة حركة البرمجيات غير المملوكة والدوافع الكامنة وراء عملية التطوير. لذلك فإن تفكيرنا بأن مجرّد الانتقال إلى موجة هذه الحركة، سواءً من ناحية الأفكار، أو من ناحية استيراد وغرس التكنولوجيا التي صنعتها هذه الحركة لن يكون كافياً لنا. فهذه الحركة عجزت، بعد هذه الفترة الطويلة، عن أن تقدم أدوات معلوماتية كاملة لتسير بها مجتمعاتها، فكيف يمكننا أن نفكر أن هذه الحركة ستقدّم للدول النامية أدوات معلوماتية لتنمية المجتمع وحل مشاكله؟ هذا لا يعني أن استيراد التكنولوجيا التي ولّدتها صناعة البرمجيات الرأسمالية هي الحل، أو أنها أفضل. نعم، لا بد أن ثمة دوافع مشتركة موجودة، ولكننا يجب أن لا نتجاهل الفرق الشاسع بين الأفراد الذين يحاولون التحرر من رق الشركات الرأسمالية في مجتمعاتهم، وبين من يريد لأمة كاملة من البشر يزيد تعدادها عن مليار إنسان أن تستقل تماماً عن سيطرة المجتمعات والقوى الرأسمالية، حتى تستطيع أن تقود هذه البشرية، وتحكمها بمنهجها القويم، وتردها إلى جادة الصواب، وتقوم بتحقيق غاية وجود الإنسان في الكون. فهذا الفرق الضخم هو تماماً كالفرق بين من يبني سفينة ليقطع بها النهر، وبين من يريد أن يبني سفينة ليخوض بها عباب المحيط. فالشيء الذي لا بد من أو يوضع بالحسبان هو أنه لا مفر لنا من أن نبدأ بالعمل انطلاقاً من مرتكزاتنا نحن، ومن خلال رؤيتنا الخاصة للكون وغاية الحياة من جهة، وإدراكنا لاحتياجات واقعنا.

هذا يقودني إلى النقطة الثانية. فلقد تبين من خلال العرض السابق ارتباط مسألة التعامل مع البرمجيات بالقيم والأخلاق والمعايير فضلاً عن المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية، لذلك فنحن نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى تأصيل إسلامي للموضوع.

بالإضافة إلى أهمية الارتكاز على المبادئ الإسلامية، فإن إقدامنا عليها ما هو إلا إقبال على مبادئ مرتبطة بنظام حياتي اجتماعي واقتصادي متكامل، وهذا أمر بالغ الأهمية في الحقيقة: فأحد أهم أسباب عدم نجاح حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر في قيادة عملية التطوير المعلوماتي في المجتمعات الرأسمالية، هي أنها لم يكن لها مرتكز فكري متين، فمعظم العاملين في هذا المجال يفضلون الابتعاد عن الناحية الإيديولوجية، وحتى أكثرهم تمسكاً بها، ومنهم ريتشارد ستولمان، يرفض أن يركن إلى أي نظام اجتماعي أو اقتصادي في طرح أفكاره، فهو، في نفس الوقت، يرفض ممارسات الرأسمالية، ويذب عن نفسه الاتهامات بالشيوعية، لذلك فكانت أدوات التطوير البرمجية قاصرة –كما أشرت- في مجتمعاتها وغير مجتمعاتها. أما حينما تكون الرؤية مرتبطة بالإسلام، فإن هذا سيتيح لنا استخدام الأدوات الاجتماعية والاقتصادية التي يبنيها نظامه الروحي، فنتمكن من حل العديد من المشكلات بوسائل مبتكرة بالنسبة لغير المسلمين الذين يعيشون في ظل الأنظمة الرأسمالية. وكمثال أسوقه لتوضيح الفكرة، يمكن استخدام فكرة الوقف في تطوير برمجيات غير مملوكة من خلال مؤسسة وقفية، وهكذا يمكننا سد ثغرة كبيرة تعاني منها حركة البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر الحالية، وهي فكرة التطوير المؤسساتي، الذي يهدف في النهاية إلى تنمية تعامل المجتمع مع المعلومات التي يتداولها، فضلاً عن تحقيق استقلال هذا المجتمع عن المجتمعات الأخرى، وهكذا يمكن أن يتولد لدينا كم ضخم من البرمجيات ذات النوعية العالية، والتي تظلّ ملكاً عاماً للأمة، يمكن لأي شخص أو مؤسسة أخرى، من الأجيال الحالية أو الأجيال اللاحقة، أن تتولى عملية التطوير لهذا التراث البرمجي ليتواءم مع حاجات الأمة ومع التحديات التي تواجهها.

وهذا لا يعني أن النتيجة ستفترق عما وصلت إليه حركة البرمجيات الحرة أو أنها ستلتقي به بالضرورة، فهذا الأمر لا يمكننا أن نتنبأ به في الحقيقة، والأهم من ذلك أنه أمر غير مهم على الإطلاق، بل المهم هو الانطلاق من رؤيتنا الخاصة للكون والحياة ومن نظمنا ومبادئنا وأخلاقنا، فيغدو جزء كبير من حياتنا متسقاً مع باقي الأجزاء ومتكاملاً معها، بدل أن يكون تابعاً لأفكار وعقول الغير.

خوارزمية SERA لمحاكاة نمو المجتمعات النباتية

أغسطس 31, 2009

قدم عالمان هما Sean Hammond وKarl Niklas في مجلة علم النبات الأمريكية American Journal of Botany في ورقة بحث لهما خوارزمية “تكرارية صريحة حيزياً” spatially explicit, reiterative algorithm (SERA) التي ستفيد في التنبؤ بمستقبل وديناميكية التجمعات النباتية. من خلال اعتماد مبادئ فيزيائية بسيطة وعلاقات تم التوصل إليها تجريبياً. تفسح هذه الخوارزمية المجال أمام اختبار فرضيات تتعلق بالصفات الوظيفية الفردية التي تؤثر في العمليات البيئية الجارية في مجتمع نباتي يحوي عدداً كبيراً من الأفراد بحيث يفرض نوعاً من التعقيد عند دراسته. والشيء المهم الذي يشير إليه الباحثان أن الصفات الجماعية التي تخص مجتمعاً نباتياً ما تنشأ نتيجة التنافس على الضوء والمكان بين الأشجار، التنافس الذي يتم، كما يرى الباحثان، وفق قواعد بسيطة وواضحة.
لقطة من البرنامج
البرنامج الذي يقوم بالمحاكاة مبرمج بلغة بايثون والذي جعلني أستغرب أنه مؤلف من 2400 سطر فقط (حجم برنامج صغير مثل برنامج المدونة أكبر من ذلك بكثير). على أية حال، حتى يبدأ البرنامج، يجب تزويده بمعلومات عن خصائص النباتات المدروسة، وبمعلومات عن العالم المفترض الذي ستتواجد فيه النباتات. يتم تمثيل الشجرة بمظلة وجذع، حيث يحدد حجمها بالإضافة إلى مساحة ظلال الأشجار المجاورة، كمية الضوء التي يمكن للفرد الحصول عليها (E). هذه الطاقة الضوئية المحصودة تحدد النمو السنوي، ويكون النمو السنوي الكلي (Gt) مساوياً لمجموع تغير كتلة الأوراق (Ml) خلال السنة (أي dMl/dt)، وتغير كتلة الجذع (Ms) خلال السنة (أي dMs/dt).  والتوقع بهاتين القيمتين يتعلق بالطاقة الضوئية المحصودة التي تتحدد بحسب ظروف العالم المفترضة.

يظهر المخطط أدناه شرحاً بسيطاً لآلية عمل الخوارزمية، فإذا كان تلقى الفرد كمية كافية من الطاقة للنمو، فإن ذلك سيمح له بالنمو، وإذا تمكن من الحصول على الكمية الكافية من الطاقة للتكاثر، فإن ذلك قد يسمح للنبات إما بالتكاثر ويخصص جزء من الكتلة الكلية لبناء الفرد الجديد (أو الأجزاء النباتية الجديدة التي يمكن أن تعتبر فيما بعد أفراداً جديدة)، أو يقوم باختزان الكتلة للقيام بعملية التكاثر فيما بعد في الدورات التكاثرية التالية.

مخطط عام للخوارزمية

لسنا نسوق هذا الخبر لتشجيع المبرمجين على إنشاء برنامج لمحاكاة نمو المستعمرات المرجانية مثلاً! لا! فالمشكلات التي تواجهها الدول الغربية مختلفة عن المشاكل التي نواجهها نحن، لذلك لا بد من الانتباه لهذه الناحية. إنما أردنا الإشارة إلى هذا الأمر لتوسيع المدارك، الأمر الذي يؤدي إلى إضافة جديدة إلى المخزون التراكمي للمبرمج والذي يمكن مساعدته على حل مشكلات قد يواجهها في المستقبل.
لمزيد من المعلومات:

http://www.sciencedaily.com/releases/2009/08/090821135026.htm
http://www.amjbot.org/cgi/content/abstract/96/8/1430

وللحصول على نسخة كاملة من البحث بصيغة pdf:
http://www.amjbot.org/cgi/reprint/96/8/1430.pdf

بدء العمل على تطوير أدوات نمذجة برمجية ثورية للتعامل مع الأنظمة الطبية والأنظمة المعقدة

أغسطس 27, 2009

قام فريق من جامعة كارنجي ميلون  Carnegie Mellon University بالبدء بمشروع جديد لدمج تقنيتين هما Model Checking (تفقد النماذج)، و Abstract Interpretation (التفسير المجرد).

تستخدم التقنية الأولى Model Checking من أجل كشف وتشخيص الأخطاء والأعطاب في الأنظمة البرمجية وأنظمة العتاد المعقدة، حيث يتم فحص نموذج نظام بشكل آلي، لمعرفة ما إذا كان يوافق المواصفات المطلوبة. تتم هذه العملية من خلال اختبار كل حالة ممكنة للبرمجية أو العتاد، لكن من مساوئ هذه التقنية أنها محدودة القدرات لأنها تستطيع التعامل مع الأنظمة الصغيرة فقط.

وعلى العكس من التقنية الأولى، فإن التقنية الثانية Abstract Interpretation لا تقوم بالنظر في كل حالة ممكنة للنظام، بل إنها تقوم بتقديم تقريب كلي للنظام، وهذا ما يتيح لها التعامل مع أنظمة ضخمة وكبيرة، ولكن بدقة أقل بكثير من التقنية الأولى.

الذي قام به الفريق هو الدمج بين هذه التقنيتين للاستفادة من الميزات التي يتمتع بها كل من المنهجين السابقين، من خلال ما أطلقوا عليه MCAI 2.0

أحد فوائد هذه التقنية الجديدة الهجينة هو تحسين بعض نظم المحاكاة الطبية لدراسة بعض الأمراض مثل سرطان البنكرياس والرجفان الأذيني. بالإضافة إلى تطوير الكثير من أنظمة المحاكاة المعقدة في شتى المجالات.

الدافع وراء إشارتي لهذا الخبر هو ندرة الصفحات العربية التي تتحدث عن هاتين التقنيتين، اللتان تنتميان إلى مجال مهم في علم الحاسوب، وهو منطق علم الحاسوب.

لقراءة الخبر كاملاً:

http://www.physorg.com/news169890411.html

تذوق الضوء!

أغسطس 19, 2009

قام مجموعة من علماء الأعصاب في شركة ويكاب Wicab, Inc باختراع جهاز يتيح لأصحاب الأضرار البصرية تحسين الرؤية من خلال جهاز يرسل الإشارات الضوئية إلى الدماغ عن طريق أعصاب اللسان.

طبعاً الجهاز لا يتيح رؤية حقيقة، ولكنه يؤمن للمريض معلومات بصرية تتعلق بالمسافات.

هذا هو المجس الذي يوضع على اللسان لينقل الإشارات الضوئية إلى النهايات العصبية فيه

خبر يستحق القراءة:

http://www.scientificamerican.com/article.cfm?id=device-lets-blind-see-with-tongues&sc=WR_20090818

تطوير مجموعة من التقنيات لتحليل مخطوطات بالعربية والعبرية

أغسطس 19, 2009

أورد موقع ScienceDaily خبراً مفاده أن مجموعة من الباحثين “الإسرائيليين”  في جامعة بن غوريون في النقب في فلسطين المحتلة قاموا بتطوير مجموعة من التقنيات لتحليل العديد من المخطوطات القديمة بالعبرية والعربية. وحسب الموقع، فإن هذا الإنجاز جاء نتيجة تعاون خبراء في الرؤية الحاسوبية، والرسوميات الحاسوبية، ومعالجة الصور، والهندسة الحوسبية من جهة، بالإضافة إلى خبراء في التاريخ والدين اليهودي من جهة أخرى.

ولا يعنيني في هذا المقام التفاصيل التقنية للمشروع، فهي على أية حال تظل معلومات عامة ولا ترقى إلى تفاصيل علمية مفيدة لمن يعمل خارجها، ويمكن الاستزادة حول الخبر من الرابط التالي:
http://www.sciencedaily.com/releases/2009/08/090814165305.htm

وقراءتي لهذا الخبر أتت في الوقت الذي كنت أفكر فيه في عدة مواضيع، ورأيت أن أشير إلى أمرين أساسيين لهما علاقة بهذا الخبر من حيث التطور الأكاديمي الذي يتقدم به “الإسرائيليون” على العرب والمسلمين. ولا بد أن أشير إلى أن تناولي للموضوع هو من وجهة نظر طالب، يتوجه بحديثه إلى بيئة الطلاب، أما المستوى الأعلى فهو ليس من شأني أو اختصاصي، ولا أعتقد أنني مؤهل لأن أخوض فيه.

الناحية الأولى
تشهد جامعاتنا لاسيما التقنية حركة جديدة للشباب المتجّه نحو ثقافة البرمجيات الحرة، والثقافة الحرة والعموميات الخلاقة، وعلى الرغم من ضرورة إيماننا بخلع عقلية الاستيراد والتطبيق الأعمى، والتمتع بالتفكير النقدي، إلا أن ما نشده يمكن أن يعد ظاهرة جيدة، ونأمل لها أن تتطور وتنضج. لكن الشيء المؤسف بالفعل هو أن كثيراً من الطلاب بدأوا –في خضم هذه الحركة-  يخلطون بين الإسهام في إثراء المحتوى الرقمي المكتوب باللغة العربية وبين طبيعة العمل والدراسة الأكاديمية والغاية منهما. فالمساهمة في كتابة عشرات المقالات في موسوعة ويكيبيديا مثلاً أو غيرها من المشاريع المشابهة، ليس الغاية أبداً من العمل الأكاديمي، فهذه الأمور مجرّد “هواية” يمكن للطالب الجامعي أن يمارسها!

قد لاحظت هذا النمط من التفكير عندما أشارت لي إحدى الأستاذات في كليتنا إلى “وجود انتقاد للجامعة العربية الفلانية التي لا تشارك في موقع Knol الذي أنشأته غوغل في حين شاركت الجامعات العربية الفلانية… ” (وذلك على موقع YouTube). لست مهتماً بهكذا تقييم ساجذ، ولكن الشيء الذي يزعج بالفعل هو طريقة التفكير. فهل يعقل أن تكون الغاية من بناء مؤسسات ضخمة وهي الجامعات، وما ينفق عليها من المليارات ثي مجرد المساهمة في إعادة إنتاج معرفة موجودة أصلاً ونشرها –في النهاية- على مواقع تمولها شركات رأسمالية في المجتمعات الغربية (مثل Google)؟! إن المعيار الحقيقي لتقييم الجامعات هو عدد الأبحاث التي يخرج بها الطلاب، والتي تقدّم للعلم والمعرفة شيئاً جديداً بالفعل. لا ينبغي لنا أبداً أن نغض النظر عن مشكلات مثل فقر المحتوى المكتوب باللغة العربية على الشابكة (الإنترنت)، ولكن مهمة الطالب الأكاديمي أكبر بكثير من مجرد إغناء المحتوى، بل عليه أن يدرك أن عليه أن بحوثاً جديدة وأفكاراً علمية جديدة، وحلولاً لمشكلات تواجه البيئة التي يعيش فيها. أما مشكلة المحتوى فهي مسؤولية جماعية، وليست مقصورة على الطلاب والعاملين في مجال الحواسيب والمعلوماتية، فال
حاسوب آلة تستخدم من قبل الجميع وإن فقر المحتوى عائد إلى أسباب عديدة ومختلفة وحلها يجب أن يكون حلاً طويل الأمد من خلال توسيع وتطوير البنية التحتية البشرية التي تستخدم التقنية.

في الحقيقة، هنالك فرق شاسع بين التفكير الذي بدأ ينتشر في بيئات جامعاتنا التقنية، وبين التفكير الذي ساهم في إنجاح المشروع الذي نتحدث عنه.

الناحية الثانية هي هذه المرونة التي أتاحت هذا التعاون بين مجالين من الصعب تصور اجتماعهما في جامعاتنا: مجال العلوم الإنسانية، ومجال علم الحاسوب. إن الأمر لمن يتفكر فيه ليس بسيطاً على الإطلاق، فعلينا أن نتصور مدى “الثقافة” التي كان يتمتع بها هؤلاء الباحثون حتى تمكنوا من أن يتناقشوا سوياً، وأن يدرك كل طرف ما الذي يحتاجه من الطرف الآخر، وما الذي يستطيع أن يقدمه له، وهذا أمر يستحق منا التفاتة بالفعل. ولعلم الحاسوب خصوصية في هذا الصدد، فعلم الحاسوب هو أكثر العلوم التي ترتبط بغيرها من فروع العلم والمعرفة، ولذلك فلا بد لنا نحن طلاب الحاسوب والمعلوماتية أن نبدأ الخطوة الأولى نحو العلوم الأخرى، كلٌّ حسب ميوله ورغباته، فمن الصعب على الإنسان أن يلم بكل شيء، ولكن يمكن تذليل هذه الصعوبة عندما يتعلق الأمر بشيء يحبه الإنسان ويعشقه.

طبعاً لا ينبغي أن يفهم منا أننا نمدح أعداءنا، فنحن نرى أنه لا علاقة للتقدم التقني بالتقدم الإنساني أبداً، ولنا رأي سنحاول أن نوضحه في التدوينات القادمة إن شاء الله.

حل مسألة مسار هاملتوني بحاسوب بيولوجي

أغسطس 14, 2009
مستعمرة بكتبيريا

مستعمرة بكتبيريا

أعلنت مجلة الهندسة البيولوجية Journal of Biological Engineering أن فريقاً من العلماء تمكن من برمجة بكتيريا لتتمكن من حل أحد أهم المسائل في نظرية التعقيد في الرياضيات، وهي مسألة مسار أو حلقة هاملتوني Hamiltonian path/cycle problem.  إن حلقة هاملتوني تتألف من مجموعة من العقد التي يجب المرور بجميعها مرة واحدة، والعودة إلى نقطة البدء، وهي حالة خاصة من مسألة الرحالة التاجر Travelling Salesman Problem (TSP) ، الذي يجب عليه أن يمر على عدد كبير من المحلات مرة واحدة دون تكرار. هذا النوع من المسائل يعد من الأصعب، بسبب الاحتمالات الكثيرة التي تتولد للطرق الممكنة، لذلك لا بد من خوارزميات للتعامل مع المعطيات لإيجاد الحل بسهولة.
حسب موقع المجلة، هذا الإنجاز شجع على “توسيع تعريف الحاسوب”. تتم برمجة هذه الحواسيب البكتيرية من خلال بناء “دارات جينية” التي تقوم بتطبيق خوارزمية مستجيبة للبيئة بحيث يمكن التعرف على نتيجة التطبيق. و”كل بكتيريا تستطيع إيجاد حل لمشكلة رياضية، والمليارات منها تتمكن من استكشاف ملايين الحلول”.

لمزيد من المعلومات، وقراءة البحث كاملاً، تتبع الرابط التالي:
http://www.jbioleng.org/content/3/1/11/abstract

“حكم نسخ البرمجيات” !!

فبراير 2, 2009

كان العنوان المقرر لهذه التدوينة: “عقود الإذعان في عالم البرمجيات، والفتاوى المتعلقة بالتعامل مع البرمجيات المملوكة”، ولكنني قررت العدول عن هذا العنوان الطويل إلى الوجه المذكور أعلاه، للتعبير بشكل مباشر عن الفكرة التي أود أن أتحدث عنها، والتي تلح على ذهن الكثير منا اليوم!

مع دخول الحواسيب وتقانات المعلومات بشكل مطّرد إلى البلاد العربية، وتزايد احتكاكهم بمنظومة صناعة البرمجيات الحالية التقليدية، ظهرت العديد من الإشكالات الناتجة عن التعامل والانخراط في تلك المنظومة، المنبثقة من المنظومة الرأسمالية، والمرتكزة على مفهوم “الملكية الفكرية”.

ولعل العنوان الذي يشير إلى سؤال واسع الانتشار، نتج عن الإشكالية التي أوردناها آنفاً، فقواعد التعامل التي رسختها تلك المنظومة -والتي تمنع النسخ المشار إليه إجمالاً- تتعارض مع أبسط دوافع الفطرة البشرية في المشاركة ونشر العلم والمعرفة النافعين، فكان لا بُدَّ لتلك الدوافع الفطرية بالإضافة إلى الرغبة العميقة بالالتزام بالتشريع الإلهي، أن تخلق ذلك النوع من الأسئلة البسيطة والجادة في نفس الوقت في أذهان الكثير من مسلمي اليوم، ولاسيما المنخرطين في العالم المعلوماتي.

والحقيقة أن المتتبع لمحاولات الإجابة عن ذلك النوع من الأسئلة لا يجد إجابات واضحة مبنية على رؤية مكتملة للموضوع. وسواءً أكان هذا بسبب تقصير المسلمين أو كان بسبب حداثة هذه المسألة النازلة وعدم دخولها إلى صلب اهتمامات المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، إلا أن هذا لا  يمنع من الإشارة إلى طبيعة المسألة ومعالمها العامة.

عقود الإذعان

لعل أغلب الإجابات الموجهة إلى السؤال الذي عنونت به هذه التدوينة، كانت تذهب إلى ضرورة الالتزام بـ “العقد” الذي “يشتري” فيه الزبون البرنامج، وبالتالي فإن عليه أن يلتزم بكل ما ورد في العقد من منع مشاركة ونسخ البرنامج مع الآخرين وغير ذلك من الشروط… وكانت تلك الإجابات تستند على أصل عظيم من أصول الإسلام، ألا وهو ضرورة التزام المسلم بمضامين العقود حتى وإن كان ذلك مع الآخر غير المسلم، حتى وإن تضمنت شروطاً مجحفة – ما دام هو قد أقدم على ذلك العقد بملء إرادته ورضاه.

ولكن لنلق نظرة على الطريقة التي يتم فيها هذا “التعاقد”…

يعرض على المستخدم قبيل تنصيبه للبرنامج اتفاقاً يتضمن مجموعة من البنود الموضوعة مسبقا والتي تحدد الطريقة التي يمكن فيها التصرف بالبرنامج. ولا يُسمح بتلاحق مراحل التنصيب ما لم يصرّح المستخدم بموافقته على ذلك الاتفاق/العقد من خلال تفعيل خيار معيّن.

وعلى الأغلب فإن محتوى ذلك الاتفاق لا يتواجد إلا بصيغة رقمية، فلا تتواجد على غلاف العبوة البلاستيكية/الكرتونية المحيطة بالقرص الذي حصل من خلاله المستخدم على البرنامج. ولضمان إلزام المستخدم بالاتفاقية عند الشراء، فإنه غالباً ما يتم اعتبار مجرد فتحه لغلاف العبوة موافقة مسبقة منه على الشروط المتواجدة داخلها (سواءً أكانت موجودة بصيغة ورقية أم رقمية).

إن التمحيص يفضي إلى أن “العقد” الذي تم  عند “شراء” البرنامج يختلف عن العقد الذي تعارف عليه الناس من قبل، فهذه العقود لم توضع شروطها من قبل الطرفين المتعاقدين، ولم يشترط فيها العدل ولا الرضا الحقيقي، والذي حدث أنه “أذعن” فيها أحد الطرفين لشروط الطرف الآخر، ولذلك فإن “عقود الإذعان” Contract of Adhesion هو الإطار الذي تندرج تحته أكثر العقود السابقة الذكر، وهو إطار تم وضعه من قبل واضعي القوانين الغربية أنفسهم، للتعامل مع هذا النوع الجديد من العقود النمطية التي انتشرت في العصر الحديث.

وأقتبس هنا ما أورده الدكتور محمد القري في بحث مقدمة إلى الدورة الرابعة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي في تعريفه لعقد الإذعان، حيث يقول:

عقود الإذعان هي صيغة من صيغ إبرام العقود تعتمد على استخدام أنموذج نمطي للعقد يُعِدُّه أحد طرفي العلاقة التعاقدية بصورة منفردة ويعرضه على الطرف الآخر الذي ليس له إلا الموافقة عليه كما هو أو رفضه دون أن يكون له أن يغير في العبارات الواردة  فيه أو الشروط والأحكام التي يتضمنها ولا أن يدخل في مجاذبة أو مساومة حقيقية على شروطه مع الطرف المعد لهذا العقد“. (حصلنا على المقتبس من نسخة غير رسمية على شبكة الإنترنت، ولكنها مفيدة على أية حال في تقديم فكرة مجملة عن الموضوع)

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بسرعة: هل هذه العقود مكافئة للعقود المعهودة من حيث إلزاميتها لكل من الطرفين المتعاقدين؟ حاولت أن أبحث عن إجابة، وإذ بي أجد أن مجمع الفقه الإسلامي قد أصدر قراراً (هو القرار رقم 132 (6/14) ) والذي يشير فيه إلى عدة نقاط.

أولها أن عقود الإذعان هذه، وهي عقود غالباً ما تكون موجّهة لجمهور واسع من الناس، لا بد من خضوعها لرقابة الدولة من أجل ضمان عدلها، حيث ورد في التقرير أنه:

“نظراً لاحتمال تحكّم الطرف المسيطر في الأسعار والشروط التي يُمليها في عقود الإذعان، وتعسُّفه الذي يُفضي إلى الإضرار بعموم الناس، فإنه يجب شرعاً خضوع جميع عقود الإذعان لرقابة الدولة ابتداءً (أي قبل طرحها للتعامل بها مع الناس) من أجل إقرار ما هو عادل منها، وتعديل أو إلغاء ما فيه ظلم بالطرف المذعن وفقاً لما تقضي به العدالةُ شرعاً.”

وثاني تلك النقاط أن مسألة الالتزام بتلك العقود لم تعد مشابهة للالتزام بالعقود التقليدية، وإنما أصبحت مرتبطة بمضمون عقد الإذعان من ناحية إقرار الشرع له.

“تنقسم عقود الإذعان -في النظر الفقهي- إلى قسمين:

– أحدهما: ما كان الثمنُ فيه عادلاً، ولم تتضمن شروطه ظلماً بالطرف المذعن، فهو صحيح شرعاً، ملزم لطرفيه، وليس للدولة أو للقضاء حقُ التدخل في شأنه بأي إلغاء أو تعديل، لانتفاء الموجب الشرعي لذلك، إذ الطرف المسيطر للسلعة أو المنفعة باذل لها، غير ممتنع عن بيعها لطالبها بالثمن الواجب عليه شرعاً، وهو عوضُ المثل (أو مع غبن يسير، باعتباره معفواً عنه شرعاً، لعسر التحرّز عنه في عقود المعاوضات المالية، وتعارف الناس على التسامح فيه) ولأن مبايعة المضطر ببدل عادل صحيحةُ باتفاق أهل العلم.

– والثاني: ما انطـوى على ظلم بالطرف المذعن، لأن الثمن فيه غير عادل (أي فيه غبن فاحش) أو تضمن شروطاً تعسفية ضارةً به. فهذا يجب تدخل الدولة في شأنه ابتداءً (قبل طرحه للتعامل به) وذلك بالتسعير الجبري العادل، الذي يدفع الظلم والضرر عن الناس المضطرين إلى تلك السلعة أو المنفعة، بتخفيض السعر المتغالى فيه إلى ثمن المثل، أو بإلغاء أو تعديل الشروط الجائرة بما يحقق العدل بين طرفيه”

ما المغزى من كل هذا الكلام؟

المغزى أن مسألة الالتزام بمضمون هذه العقود ترتبط أساساً بمضمون العقد من حيث كونه متعسفاً أو لا، وبالتالي فإن الاهتمام الفقهي ينبغي أن ينصرف إلى الناحية الأخيرة.

فالشيء الذي يجب أن نعرفه بالضبط هو الضوابط والحدود التي تفصل ما بين الظلم والعدل من جهة، وما بين العدل والإحسان من جهة أخرى: لأن معرفة تلك الضوابط هي الأساس في معرفة حدود الإلزام لعقود الإذعان السالفة الذكر، التي تتضمن الموافقة على ما يشار إليه باتفاقيات ترخيص المستخدم النهائي End-User License Agreements.

وهذا يعني الإجابة على العديد من الأسئلة من مثل:

  • هل من التعسف أن يمنع المبرمج الشيفرة المصدرية Source Code  لبرنامجه عن الناس؟
  • هل من التعسف أن يمنع المبرمج الآخرين من نسخ برنامجه (بشيفرته الهدفية النهائية Object Code)؟ وهل يختلف الأمر إن كانت تلك العملية للاستخدام الذاتي، أو للاستخدام الشخصي، أو للاستخدام التجاري؟

وبصيغة أخرى يمكننا أن نسأل أيضاً:

  • هل فتح الشيفرة المصدرية للبرنامج يقع ضمن مجال الإحسان، أم أنه أمر واجب على المبرمج؟
  • هل السماح بنسخ الشيفرة الهدفية هو من إحسان المبرمج، أم أنه أمر لا خيار له فيه؟

إن الإجابة عن تلك الأسئلة يجب أن تكون مبنية على رؤية كاملة، الأمر الذي يقود تفكيرنا إلى قضية جوهرية وأساسية ترتبط بموضوعنا، ألا وهي مسألة ما يُسمّى بالملكية الفكرية.

لقد كان العلم شيئاً مقدّساً طوال القرون الطويلة التي مرت على تاريخ المسلمين، وكان مفهوم “الملكية” غير متسقاً على الإطلاق مع تلك الهالة التي كانت تشع حول العلم، في حس العلماء والمتعلمين على السواء! وتشير المصادر إلى أن العلماء كانوا ينفقون على أنفسهم من مداخيلهم الخاصة، ومن ثمَّ صار ينفق عليهم من بيت المال: وعلى الرغم من ذلك، لم يكن ذلك المال هو “أجرتهم” على علمهم! بل كان هدف ذلك المال هو إعانتهم على التفرغ للعلم! ولم تكن هذه النظرة مقتصرة على العلم، بل إنها شملت قضايا كثيرة ومنها قضية الخلافة! فعندما وُلّي سيدنا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الخلافة، وجده الصحابة اليومَ التالي في السوق يسعى لتأمين احتياجات أسرته!

وتشير النصوص أيضاً، أنه وفي عصور الانحطاط، تراجع دور الدولة في دعم العلم، وربما تفيد كلمات الإمام ابن الجوزي (512 – 597 هـ) في رسم صورة مجملة عن وضع العلم في العصور الأولى وما آل إليه في عصره، حيث يقول في كتابه المعروف “صيد الخاطر”:

“وقد كانوا [أي العلماء] يكفيهم بيتُ المال فضلات الإخوان، فلما عدُمَت في هذا الأوان، لم يقدر متديِّن على شيء إلا ببذل شيء من دينه، وليته قدِر، فربما تلف الدين، ولم يحصل له شيء”. (الاقتباس من طبعة دار القلم في دمشق، تحرير حسن السماحي سويدان، ، 2009، ط2: ص 35).

والمهم في الأمر هو أن مفهوم “الملكية الفكرية” هو مفهوم جديد أفرزته الحياة الرأسمالية، لضمان فائدة المؤلف من عملية الاستثمار للعمل الفكري الذي قام به. وقد اعتبر الكثير من العلماء والفقهاء في القرن الماضي مفهوم “الملكية” هذا، من العُرف الصحيح الذي لا يعارض الشرع (على أن البعض رفض هذا المفهوم رفضاً كلياً). وربما كان هذا الاعتبار صحيحاً في عصر الطباعة، ولكن الأمر اختلف الآن في عصر تقانات المعلومات الجديدة. فهذا المفهوم أصبح يحد من انتشار العلم بشكل سافر، لأنه يحرم كماً هائلاً من المعرفة الانتقال من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي. هذا لا يعني أننا ندعو إلى الاستغناء عن الوسائط الورقية التقليدية للمعرفة، أو أننا نتنكر لميزاتها، إلا أننا في نفس الوقت نؤمن بأهمية دور التقانات الجديدة في سد الكثير من الثغرات التي نعاني منها،  وأقل ذلك تسهيل انتشار العلم بكلفة مادية أقل (على المدى البعيد)، فضلاً عن دور الحواسيب المطّرد في تطوير البحث العلمي من خلال أدوات وبرمجيات الذكاء الصنعي التي تندرج تحت ما يسمى بالعلم الإلكتروني e-Science.

يجب علينا إذاً أن نعترف أن محاولة الإجابة عن السؤال السريع الذي ابتدأت به التدوينة، إنما يتطلب اجتهاداً علمياً ضخماً، ورؤية ثاقبة لواقع الناس وأحوالهم، ولا تكفي الإجابات الحالية التي حاول القيام بها عدد من المفتين والمجتهدين، جزاهم الله خيراً على أية حال.

وتجدر الإشارة بعد كل هذا الكلام إلى أن شريحة من المجتمعات الرأسمالية نفسها بدأت تضجّ بمفهوم “الملكية الفكرية” هذا. والمقصود بتلك الشريحة أساساً الشريحة التي نهضت بـ “حركة البرمجيات الحرة” Free Software Movement في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من أن هذه الحركة بدأت في مجال البرمجيات إلا أن أثرها تداعى إلى عالم المعرفة التقليدي، وانبثقت حركة أخرى تسمى “حركة الثقافة الحرة” Free Culture Movement، والتي طرحت تراخيص استخدام لللمنشورات والمؤلفات بديلة عن التراخيص التقليدية، حيث تولت مؤسسة “المشاعات الإبداعية” Creative Commons ترسيخ هذه التراخيص الجديدة من الناحية القانونية.

مهما كان الأمر، فإنني أؤكد أن وجود رؤىً محلية لمعالجة المشكلة داخل المجتمعات الرأسمالية أمر غير كاف على الإطلاق بالنسبة لنا [يُراجع بتوسع تدوينة “الجوانب الاجتماعية للبرمجيات غير المملوكة” للمدوّن]، ولا يمكن أن يبرر هذا لأمة مؤلفة من مليار إنسان أن تتوانى عن معرفة أمر ربها، لأن هذا يتنافى مع طبيعتها ومع أهدافها كأمة قُدِّر لها -عندما استمسكت بالإسلام- أن تكون “خير أمة أخرجت للناس”، استطاعت، وكما لم تفعل أمة أي نبي من أنبياء الله من قبل، أن تغير وجه التاريخ البشري للأبد.

صلاة الله عليك وسلامه يا رسول الله…

فالهدف من التدوينة هذه كان مجرد رسم حدود وأبعاد مشكلة كبيرة لا بُدَّ من حلّها وفقاً لرؤية كاملة، وهي دعوة لكل من علماء الأمة ومجتهديها من جهة والمعلوماتيين وعلماء الحاسوب المسلمين من جهة أخرى، إلى بذل مزيد من الجهود لبناء تلك الرؤية وتصحيح المسار.

والله تعالى أعلم.